عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
620
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وقال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ( 1 ) . فتكفَّل الله سبحانه بحفظ كتابه ، فلم يتمكّن أحدٌ من الزيادة في ألفاظه ولا من النقص منها . وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُقرئ أمَّته القرآن في زمانه عَلَى أحرفٍ مُتعددة ؛ تيسيرًا عَلَى الأمة لحفظه وتعلمه ، حيث كان فيهم العجوزُ والشَّيخ الكبير ، والغلام والجارية والرجلُ الَّذِي لم يقرأ كتابًا قط . فطلب لهم الرخصة في حفظهم له أن يُقرئهم عَلَى سبعة أحرف ؛ كما ورد ذلك في حديث أبي بن كعب وغيره ( 2 ) . ثم لما انتشرت كلمةُ الإسلام في الأقطار ، وتفرَّق المسلمون في البُلدان المتباعدة صار كلُّ فريق منهم يقرأ القرآن عَلَى الحرف الَّذِي وصل إِلَيْهِ . فاختلفوا حينئذٍ في حروف القرآن ، فكانوا إذا اجتمعوا في الموسم أو غيره اختلفوا في القرآن اختلافًا كثيرًا . فأجمع أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم في عهد عُثمان عَلَى جمع الأمَّةِ عَلَى حرفٍ واحد ، خشية أن تختلف هذه الأمة في كتابها كما اختلف الأممُ قبلهم في كُتبهم ، ورأوا أنَّ المصلحة تقتضي ذلك . وحرَّقوا ما عدا هذا الحرف الواحد من المصاحف ( 3 ) ، وكان هذا من محاسن أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - التي حمده عليها عَليِّ وحُذيفة وأعيانُ الصحابة .
--> ( 1 ) الحجر : 9 . ( 2 ) أخرج ذلك من حديث أبي بن كعب : مسلم في " الصحيح " رقم ( 281 ) ، وأحمد في " المسند " ( 5 / 127 ، 129 ) وعن ابن عباس : البخاري في " الصحيح " رقم ( 4991 ) ، ومسلم في " الصحيح " رقم ( 819 ) ، وأحمد في " المسند " ( 1 / 264 . 299 ، 313 ) . ( 3 ) أخرج ذلك البخاري في " الصحيح " رقم ( 4987 ) من حديث أنس .